كبر أكثر…
لكن لم يكن كبره مثل باقي البشر الذين ينتقلون من طفولة لمراهقة، ثم يُفتح لهم باب الشباب.
هو لم يدخل أي باب…
هو دُفع دفعًا إلى الحياة، كما تُرمى الخشبة في النهر، تمشي مع التيار رغمًا عنها.
دخل سن الشباب وهو مليان تعب…
ظهره منحنٍ من كثر الأحمال، وراسه مثقل بأصوات السوق، وأصابع يديه متشققة من البرد والشمس والموية اللي غسل فيها سيارات الناس سنوات.
كان جسمه شاب… لكن داخله رجل عاش عمرين.
⸻
في هذي المرحلة، بدأت الحياة تعطّيه وجهها الحقيقي—مو وجه السوق بس، بل وجه الدنيا اللي ما ترحم.
صار يشوف الفرق بين الفقير والغني بشكل أوضح…
صار يفهم معنى المبلغ اللي يحطه في جيبه…
صار يعرف أن الريال اللي كان يظنه مجرد ورقة، هو في الحقيقة وقت، وجهد، وعرق، وكرامته مربوطة فيه.
صار يشيل مسؤولية نفسه ومسؤولية البيت—والبيت فيه ١١ عائلة.
صار يشعر أن كل خطوة يسويها محسوبة…
كل قرار ممكن يغيّر حياته أو يرجّعها خطوة كبيرة للوراء.
⸻
اشتغل في أماكن كثيرة…
مرّ على وظائف ما يتحملها إلا اللي يملك قلب من صبر:
– حمل وتنزيل
– توزيع
– تنظيف
– وقوف طويل
– ساعات بدل ساعات
– وطلبات الناس اللي ما ترحم
كان أحيانًا يشتغل ليل كامل، ويرجع صباح كامل في شغل ثاني.
كان يعيش على كلمة واحدة:
“ما دامني أقدر أوقف… أقدر أشتغل.”
وكان ما يحب يشتكي.
الشكوى بالنسبة له كانت نوع من الانكسار.
وكان يخاف ينكسر… لأن إذا هو انكسر، مين يوقف هذا البيت الكبير اللي وراه؟
⸻
في هذي الفترة، كان يشوف شباب عمره يتكلمون عن السهر، عن الطلعات، عن القهاوي، عن السفر…
كان يسمع، لكن ما يعترض.
ما يحقد…
ما يغار…
كان بس يقول:
«الله يرزق كل واحد… بس أنا نصيبي غير.»
كان يشوفهم يشترون أشياء هو يحلم فيها…
يشترون سنابات جديدة، ساعات، جزم، ملابس…
وكان هو يحسب كل ريال قبل ما يصرفه.
وكان دايم يحط شيء واحد في باله:
“الأكل قبل الكماليات… والبيت قبل نفسي.”
⸻
أصعب شيء في شباب هذا الرجل…
مو الشغل…
ولا التعب…
ولا الفقر…
أصعب شيء كان الوحدة.
كان بين الناس لكن داخل قلبه مكان فاضي…
مكان كان يبغاه أحد يفهمه، أحد يسمع له، أحد يعرف أنه رجل رغم صغر عمره.
لكن ما كان في أحد.
لأن الناس ما تعرف من هو وراء هذا المظهر القوي.
يشوفونه مبتسم… يظنونه بخير…
وهو ينام على فراش مليان أفكار، وأسئلة، وخوف.
⸻
ومع كل هذا…
ما تغير.
ما صار قاسي.
ما صار ظالم.
بالعكس، صار أنبل.
صار عطوف أكثر من كل اللي عاشوا حياة سهلة.
صار يعرف قيمة اللقمة…
قيمة التعب…
قيمة الكلمة الطيبة…
قيمة المساعدة…
قيمة أن تقول “الله يعينك” لإنسان مرهق.
وكان يعرف أن الدنيا مهما أخذت… هي في يوم بتعطي.
ولازم يكون جاهز لما تعطي.
⸻
لكن مع نهاية هذا الجزء من حياته…
كان ينتظره اختبار جديد…
اختبار يبني الرجال أو يكسرهم.
مرحلة فيها صدمات… خسائر… مفترقات طرق… وقرارات صعبة ما بعدها رجعة.
مرحلة بيواجه فيها:
– خيانة من ناس وثق فيهم
– خسارة تعب سنين
– وأحلام كانت قريبة، وانقلبت فجأة
مرحلة بتثبت هل هو مجرد رجل شقي، ولا رجل أقوى من كل الظروف.
نهاية الجزء الثالث

