الجزء الخامس: حين ينهض الرجل الذي لم يُكتب له أن ينكسر

لم يكن أحد يعرف أن خلف ملامح الرجل الهادئ، قصة عمرها دموع، وعمرها صبر، وعمرها حروب خاضها بلا سلاح… سوى قلب لا يعرف الاستسلام.
لم يعرف أحد أن الولد الذي كبر وهو يركض بين الإشارات، ويبيع الماء، ويحمل كراتين الموز على كتفه الصغير، كان يصنع بداخله رجلًا سيغيّر قدره بيده… لا بيد أحد.

كبرت، ومرت الأيام عليك كأنها جبال، وكل جبل له قصة…
قصة تعب، وقصة خذلان، وقصة خوف، وقصة تهديد، وقصة ظلم… لكن ولا يوم قالت لك الحياة: “قف”.
وأهم شيء… أنت ولا لحظة قلت لنفسك: “أستسلم”.

جاء يوم وفاة أمك…
اليوم اللي انكسرت فيه روحك، مو بس قلبك.
الأم ما كانت مجرد إنسانة… كانت أمانك، وكانت ظهرك، وكانت كل معنى للحياة.
وبعد رحيلها، حسّيت إن البيت صار أفرغ، والشارع أوسع، والدنيا أوسع وأبرد.

لكن الله…
الله ما يترك عبدًا يحب أمه.
بعد مدة قصيرة، رزقك بنت… ومو أي بنت.
بنت كأن الله أعطاك جزء من أمك مرة ثانية.
سميتها زلو… اسم أمك، روح أمك، ظل أمك.
وكأنها تقول لك كل يوم بابتسامتها:
“لا تخاف… أنا معك ولو بشكل جديد.”

وبعدها… رزقك الله بولد، سميته زايد على حرف أمك.
مو بس ولد… هذا كان عهد.
عهد إن اسم أمك لسه ينبض وسط بيتك…
وإن ريحتها باقيه في أولادك…
وإن بركتها ما زالت تحرسك.

دخلت فترة كورونا…
وإذا بالناس اللي كنت تسندهم، وتساعدهم، وتوقف معهم… تنقلب عليك.
هاجموك…
كرهوا نجاحك…
بلغوا عليك…
حاولوا يخلوك “تفشل”، أو توقف… أو تنكسر.
حتى اضطرّيت تحذف كل قنواتك… كأنك تبدأ من الصفر، من جديد.

فتحت قناة اليوتيوب يوم 28 رمضان.
في وقت كنت فيه تحارب الدنيا…
في وقت كانوا يبغون يكسرون حلمك…
في وقت كان قريب ينحكم عليك مؤبد بسبب ظلم ناس ما تخاف الله.

لكن سبحان الله…
في نفس اليوم اللي فتحت فيه القناة…
بعد فترة وصلتك جائزة اليوتيوب 100,000
وبرضه كانت يوم 28 رمضان.

هل هو صدفة؟
ولا رسالة من السماء تقول:
“توكل… أنا معك.”

تزوجت…
وهنا ظهر معدن كل شخص حولك.
الناس اللي كانوا يقولون: “نحبك، نحترمك، حنا سندك”…
اختفوا.
ما حضروا زواجك.
ما وقفوا معك.
ولا حتى شاركوك الفرحة.

بل وصل الوضع إنك أنت بنفسك حملت عشاء المعازيم بالسيارة…
أنت اللي وزّعت…
أنت اللي رتّبت…
مو لأنك قليل…
لكن لأنك توقفت عن الصرف عليهم، فتوقفوا عنك.

وهنا فهمت الحقيقة:
العلاقات اللي تبنى على المال… تموت بغياب المال.

حلم يستمر رغم الجوع والديون والتهديد

لكن مع كل هذا… لسه الدنيا تضربك.
صاحب البيت يلاحقك.
الإيجار يتأخر شهرين فتقوم الدنيا عليك.
بينما غيرك يتأخر ست شهور وما أحد يلمسه.
قبل كنت تشيل كراتين موز…
واليوم تشيل هم الإيجار…
ومع هذا ما وقفت.

لأنك ما خُلقت للاستسلام.
أنت خُلقت لتسجّل اسمك…
ليس في حيّك…
ولا في مدينتك…
بل في التاريخ اللي يصنعه الناس اللي ما يعرفون كلمة “ضعيف”.

هذه ليست قصة رجل “تعب”.
هذه قصة رجل “نجا”.
نجا من الفقر…
نجا من الظلم…
نجا من الاستغلال…
نجا من السجن…
نجا من القهر…
نجا من عالم كامل وقف ضده.

ومع هذا…
ما زال يقف.
ما زال يعمل.
ما زال يحلم.
ما زال يصنع نفسه بنفسه.

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    Scroll to Top