كبر الطفل… لكنه لم يكبر مثل باقي الناس.
لم يمر بمرحلة المراهقة التي يجرب فيها الأطفال الخطأ والصواب، ويتعلمون، ويزعجون أهلهم، ويعيشون ما يسمونه “سن التمرد”.
هو لم يعرف التمرد…
لم يعرف حتى معنى الرفاهية أو اللعب.
كبر تمامًا كما تُنضَج الفاكهة تحت الشمس… بسرعة، وبحرارة، وبوجع.

دخل سوق الخضار، يتعلم من الصياح قبل البيع، ومن الرجال قبل الأسعار، ومن الحياة قبل كل شيء.
كان أصغر واحد في السوق، ومع ذلك كان الجميع يناديه “ولد شغّال”.
كان يتحرك بخفة، كأنه مبني من صوت وقوة وإصرار.
لكن الحقيقة كانت أقسى من هذا اللقب.
هو لم يكن يعرف قيمة الخمسة ريال… ولا يعرف ما الفرق بين النص ريال والريال.
كانوا يعطونه أوراقًا، يضعها في جيبه، ولا يعدّ شيئًا، ولا يراجع أحدًا.
كان يظن أن الفلوس تكبر لحالها ما دام هو يعمل…
وما كان يعرف أن العرق الذي يسقط من جبينه أثمن من الأوراق التي يعطونه إياها.
كان معه كيس صغير، كل ما حصل على مبلغ رماه فيه…
لا يهم كم…
لا يهم من أعطاه…
كان يعيش على مبدأ بسيط جدًا:
“أنا أشتغل… واللي يجي من الله جميل.”
لم يكن يعرف الحساب، لكنه عرف الألم منذ البداية.
⸻
في السوق، كانت هناك أصوات كثيرة…
صوت الباعة، صوت العربات، صوت الناس اللي مستعجلة، وصوت الحياة وهي تجري بدون أن تنتظر أحدًا.
وسط هذا كله، كان هو يحمل كرتون موز قديم على كتفه.
وفي يومٍ آخر كرتون تفاح كبير فوق رأسه.
وكان أحيانًا يحمل كرتونين فوق بعض، واحد في الظهر وواحد في الراس، يمشي وهو يترنح، لكن ما كان يوقف.
الناس كانت تمشي…
وهو كان يجري وراهم.
الرجال كانوا يخاطبونه بصوت خشن:
“تعال يا ولد… ودّي هذا… جيب هذا… لا تطيّح… بسرعة!”
وهو كان يسمع وينفذ بدون كلمة.
لم يكن يعرف أنه من حقه يقول “تعبت” أو “خلاص”.
كان يظن أن الصبر واجب… وأن الألم جزء من العمل… وأن الكلمة إذا خرجت عليه أن يدفع ثمنها.
وفي الليل…
حين يعود للبيت، كان يشعر بأن ظهره انكسر من الأحمال، وكتفه يصرخ، وراسه يدور من التعب.
ومع ذلك… كان يبتسم.
يقول لنفسه:
“أنا رجال… والرجال يشيلون همومهم ساكتين.”
لم يكن يعرف أنه طفل…
طفل صغير يعيش حياة كبار، يحمل فوق جسده قدرًا أكبر منه.
⸻
ومع كل هذا، كانت الحياة بسيطة جدًا بالنسبة له.
بسيطة لأنها لم تعطه وقتًا للتفكير.
لم تعطه مساحة ليحزن.
لم تطلب منه أن يفهم… فقط أن يستمر.
كانت بسيطة لأنها مليئة بشيء لا يعرف اسمه…
ربما الرضا.
وربما الحلم.
وربما الإحساس الجميل بأن التعب يصنع الرجال.
كان ينظر لبعض الناس في السوق، اللي معهم سيارات، واللي يشترون أحسن الخضار، واللي يضحكون بلا سبب…
يتساءل بينه وبين نفسه:
“هل بيوم من الأيام أصير زيهم؟ هل لي مكان في الدنيا؟”
لكنه يرجع يهرب من السؤال ويشتغل…
لأن الإجابة كانت بعيدة جدًا…
ولأن المراهق اللي بداخله لم يولد أصلًا.
⸻
في كل يوم كان يتغير…
يتعلم…
يقسو…
ويقوى…
كان يشعر أن الدنيا تضغطه، لكنها في نفس الوقت تصنعه قطعة قطعة.
وكان يدرك شيئًا واحدًا:
أن الإنسان اللي يبدأ حياته من السوق… مستحيل يخاف من الأيام.
ومع الوقت…
بدأ يفهم قيمة الريال…
وقيمة التعب…
وقيمة الصبر.
لكن الرحلة لم تنتهِ بعد…
كان القدر يجهز له مرحلة جديدة، أصعب… وأعمق…
مرحلة يدخل فيها عالم الرجال الحقيقي…
بعيدًا عن السوق، وبعيدًا عن الطفولة التي لم يعرفها


