الجزء الأول: الطفل الذي وُلِدَ كبيرًا
كان الناس يقولون إن الأطفال يولدون صغار، يكبرون يومًا بعد يوم…لكن هو وُلد كبيرًا منذ اللحظة الأولى.وُلد وفي عينيه شيء يشبه الوعي… يشبه الألم… يشبه الخوف من الغد. جاء إلى الدنيا في بيت فقير، لكنه ليس بيتًا واحدًا…كان يعيش مع ١١ عائلة تحت سقف واحد، أو بالأصح تحت سقف اسمه الحاجة، وجدار اسمه الضيق، وسماء لا تمطر إلا همًا.لم يكن يعرف كيف يكون الطفل طفلًا.لم يعرف اللعب، لم يعرف الدلال، لم يعرف أن يبكي حين ينكسر…كان دائمًا يشعر أن عليه واجبًا أكبر من عمره، ومسؤولية أثقل من كتفيه الضعيفتين. منذ صغره، كان يراقب ملامح الرجال في البيت وهم يضمون همومهم مثلما يضم الرجل عباءته آخر الليل.كان يرى النساء يطبخن على قلوب خاوية، ويخبزن من الدموع أكثر مما يخبزن من الدقيق.وكان يدرك، رغم طفولته، أن الغذاء الحقيقي في هذا البيت هو الصبر فقط. في سن التاسعة، وقف أمام المرآة الصغيرة المعلقة في ركن الممر الطويل.نظر إلى وجهه وقال:«أنا لازم أكون شي. لازم أساعدهم كلهم… الكل يعتمد عليّ.»ومن يومها ما عاد طفلًا. خرج إلى الشارع يحمل صندوقًا صغيرًا فيه قوارير ماء باردة.كان يقف عند الإشارات، يمد الماء للسائقين، يركض بين السيارات، ويتحمل حرارة الشمس التي كانت تحرق جلده، لكن ما كانت تحرق عزيمته.كان يقف ساعات طويلة، ويعود آخر النهار بجيب فيه ريالين أو ثلاثة…لكنها بالنسبة له كانت كنزًا…لأنها كانت تشتري ابتسامة في البيت، وتطفئ حزنًا، وتسد رمقًا. كبر قليلًا، وبدأ يساعد في غسيل السيارات.كان يشعر بالخجل في البداية، يخاف من نظرات بعض الناس…لكن الخجل يطير إذا كان في البيت ١١ عائلة تنتظر القليل.كان يقول لنفسه:«الشغل مو عيب… العيب إني أشوف الناس اللي أحبهم جائعين وأنا واقف أتفرج.» وفي المساء، كان يعود منهكًا، يجلس عند الباب قبل أن يدخل، يمسح العرق والغبار عن وجهه، ثم يدخل بابتسامة كبيرة.لم يكن يريد أن يعرف أحد أنه تعب…كان يتظاهر بالقوة دائمًا.وكانت قوته هذه أكبر من عمره بكثير. ومع كل هذا، كان يحلم.نعم… هذا الطفل الذي لم يعرف طفولته، كان يحمل في داخله قلبًا واسعًا، يحلم بحياة أفضل، يحلم ببيت صغير فيه عائلة واحدة فقط…يحلم بليلة ينام فيها بدون خوف من الغد. لكن الحياة لم تكن طيبة معه…كلما ظن أنه ارتاح قليلًا، جاءته موجة جديدة من الشقاء.ومع ذلك… كان يقف من جديد، وكأن الله خلقه لكي ينهض مهما سقط. هذا الطفل… كان يجهز نفسه لمعركة أطول بكثير…معركة الحياة. نهاية الجزء الأول.الجزء الثاني بيكون عن: المراهق الذي كبر قبل أوانه، واشتغل بسوق الخضار، وشاف الدنيا بوجهها القاسي






